عبد الله بن محمد المالكي

520

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

قال أبو الحسن : فوصل الشيخان « 25 » إلى القيروان فتشرق « 26 » أحدهما وتمعزل « 27 » الآخر . وكان يحضره « 28 » الشيخ أبو عليّ بن خلدون « 29 » ، فقال للشيخ أبي الحسن « 30 » : « من الشيخان ؟ » فقال : « فلان وفلان » قال : فعرفهم الشيخ ابن خلدون وجماعة ممن حضر من أهل العلم . قال أبو عقال بن غلبون : قال أبو هارون الأندلسي : « يا أبا عقال ، نصحبك صحبة موسى عليه السلام للخضر : لا تسألني عن شيء ولا أسألك عن شيء » ، فعملت - أنا وهو - في الإجارة « 31 » ، فاشترينا رأسا وخبزا ، فلما أن وضعناه بين أيدينا لنفطر عليه وقف به سائل ، فدفعه إليه وبقينا بلا شيء . ثم عملنا اليوم الثاني ففعل كما فعل في اليوم الأول ، ثم فعل في اليوم الثالث كذلك ، وبقينا بلا شيء . فلما أن صلينا في المسجد الحرام المغرب وخرجنا إلى بيت نسكنه قلت له : « يا أبا هارون ، أصابني الجوع » فتبسم وقال : « يا أبا عقال ، الذي أجاعك أليس يعلم أنك جائع ؟ تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ؟ إنما تنال الآخرة بالصبر ، ليس تخسر معه شيئا « 32 » . إنه لا يضيع أجر المحسنين » . قال : فلم يتم الكلام حتى ضرب الباب ، فقال لي : « قم اخرج فخذ هذا الذي جاءك » ، فقمت فإذا بمائدة مغطاة على رأس خادم عليها أطعمة من الحلوى والأشوية ، فقال الغلام : « سيدي يقرأ عليكما السلام ويقول لكما : أقبلا هذا الطعام » ، فدخل بالمائدة فوضعها . قال أبو هارون : « يا ابن غلبون ،

--> ( 25 ) في الأصل : الشيخين . ( 26 ) اصطلاح افريقي قيرواني يقصد به الدخول في مذهب الشيعة الفاطميين المتملكين على بلاد المغرب . وقد شرحنا هذا المصطلح في تعاليقنا على الجزء الثاني من الرياض وأيدناه بالشواهد . ( 27 ) أي اعتنق مذهب المعتزلة . وهذا يمثل نظره أهل السنّة إلى المعتزلة . ونلاحظ ان القواميس القديمة والحديثة لم تشر إلى هذا المعنى . ( 28 ) اي يحضر مجلسه . وحضر المجلس : شهده المعجم الوسيط . ( 29 ) أبو علي حسن بن خلدون . فقيه مالكي قيرواني . كان راس أهل السنّة وزعيمهم وأشدهم على الشيعة . مات شهيدا سنة 407 . معالم الايمان 3 : 192 - 193 . ( 30 ) في الأصل : أبو الحسن . ( 31 ) كذا في الأصل : وهو يقصد بأجرة أو بجراية . ينظر : ملحق القواميس 1 : 10 . ( 32 ) في الأصل : شيء .